الخصية المعلقة ظاهرة خِلقية تتّسم ببقاء الخصية داخل تجويف البطن وعدم انتقالها إلى كيس الصفن، وهي وإن كانتْ محدودة التأثير آنيًا؛ إلا أنّ مخاطرها على المدى البعيد تستلزم عنايةً طبيّةً فور تشخيصها؛ وفي هذا المقال نناقِش أسباب الخصية المعلقة عند الاطفال، وطبيعة العلاقة بين الخصية المعلقة والانجاب، وكذلك عملية الخصية المعلقة.. نتمنّى لكم قراءة ممتعة.
الخصية المعلقة
يبدأ تكوين الخصيتين مُبكِّرًا خلال نمو الجنين، وتحديدًا بمنطقة أسفل البطن، ثُمّ تتدلى الخصيتان داخل كيس الصفن قرب نهاية الحمل (بحلول الشهر السابع)، وذلك بتأثير النشاط الهرموني لدى الجنين. تشير الخصية المعلقة أو الخفية (Cryptorchidism) إلى فشل نزول إحدى الخصيتين أو كلتيهما إلى كيس الصفن خلال تخليق الجنين، ما يؤثِّر في كفاءة الخصية من جهة إنتاج الحيوانات المنوية والنشاط الهرموني أيضًا، ويتضح ذلك خلال فحص الجنين بظهور كيس الصفن خاويًا أو شبه خاوٍ.
ما مدى شيوع الخصية المعلقة؟
تُعد الخصية الخفية أبرز العيوب الخلقيّة المؤثِّرة في الجهاز التناسلي الذكري؛ إذ تُشخَّص لدى 3% من الأطفال حديثي الولادة، وقد تصل نسبتها إلى 21% بين الأطفال المبتسرين (المولودين باكرًا)، ويُعتقَد أنّ الخصية المعلقة عند الاطفال تتدلّى تلقائيًّا في غضون 3-6 أشهر – عقِب الولادة – في نصف الحالات تقريبًا.
أسباب الخصية المعلقة
اعتنتْ عِدّة دراسات طبيّة ببحثِ أسباب الخصية المعلقة عند الاطفال، ولكنّ السبب الفعلي لتِلك الظاهرة ما زال مبهمًا، ومِمّا كشفتْ عنه بعض الدراسات نشوء الخصية الخفية عمّا يلي:
1- خلل هرموني
إنّ نشاط المحور الوِطائي النُّخامي الغُدِّي التناسُلي (HPG axis) ضروريٌّ لنزول الخصية إلى كيس الصفن؛ إذ يُنسِّق الإشارات الهرمونية الحيويّة لاكتمال نضج الجنين، واستقرار الخصية في موضعها الطبيعي، ولذا يرتبط قصور النشاط الهرموني بالخصية المعلقة عند الاطفال.
2- عوامل وراثية
أفادت إحدى الدراسات الطبية أنّ 23% من حالات الخصية الخفية عند الأطفال ترتبط بتاريخٍ عائلي؛ أي سبَق لأحد أفراد العائلة وأن عانى ذات المشكلة، في حين كشفتْ دراسةٌ أُخرى أنّ نحو 4% من الأطفال المصابين عانى آباؤهم عدم نزول الخصية أيضًا، مع شيوعها بين ما يقرب من 7% من الأشقاء الذكور، ما يجعل الجينات ضمن أسباب الخصية المعلقة.
3- مضادات الأندروجين
تُساهم الأندروجينات (التستوستيرون وثنائي هيدرو تستوستيرون) في نضج الجهاز التناسلي الذكري بما في ذلك نزول الخصية إلى كيس الصفن، فإذا ما تناولتْ الأم أيًّا من الأدوية ذات التأثير المضاد للأندروجينات، أو تعرّضتْ لمواد كيميائية بذات التأثير؛ فإنّ احتمال فشل نزول الخصية يزداد وفق بعض الدراسات.
4- وزن الجنين
نحو 17% من الأطفال المولودين بوزنٍ دون 2.3 كجم يُعانون عدم نزول الخصية، وكُلّما تناقص وزن المولود تزايدتْ نسبة الخصية المعلقة، إذ تصل إلى 100% لدى الأطفال الأقل وزنًا من 907 جرام، ما يُفسِّر زيادة نسبة الخصية الخفية لدى الأطفال المبتسرين.
5- عوامل مرتبطة بالأم
لا تقتصر أسباب الخصية المعلقة على القصور الهرموني أو العوامل الوراثيّة فحسب، بل هناك عِدّة عوامل يُعتقَد اقترانها بالخصية الخفية ولكن بدرجةٍ أقل، ومن ذلك:
- السمنة.
- التدخين.
- تسمم الحمل.
- داء السكري.
- تعاطي المواد الكحوليّة.
- كثرة تناول دواء إيبوبروفين.
- فرط التعرض للمبيدات الحشرية.
مضاعفات الخصية المعلقة
إذا تأخر علاج تِلك الظاهرة؛ فإنّ الطفل يُصبِح عُرضةً لبعض المضاعفات على المدى البعيد، مثل:
- نقص التستوستيرون: نظرًا لقصور الخصية عن أداء وظيفتها على النحو الأمثل.
- سرطان الخصية: تزداد مُعدّلات الإصابة به 5-10 مرات مع عدم نزول الخصية.
- التواء الخصية: يؤدي تواجد الخصية في غير موضعها إلى احتمالٍ أكبر لالتوائها.
- الفتق: يزيد تواجد الخصية في غير موضعها من احتمالات الإصابة بالفتق الأربي.
- العقم: يرتبط بكثيرٍ من الحالات؛ نظرًا لانخفاض جودة الحيوانات المنوية.
تشخيص الخصية المعلقة
يتّضح خلال فحص الطفل بدنيًّا عدم وجود الخصية داخل كيس الصفن، وقد يكون ذلك في ناحيةٍ واحدة أو كلتا الناحيتين، ومن ثَمّ يستكشف الطبيب موضع الخصية الخفية، إذ غالبًا ما تتواجد عند نهاية القناة الأربية (Inguinal canal) ويُمكن الإحساس بها في 80% من الحالات، أمّا إنْ كانت غير محسوسة، فقد تكون:
- في البطن.
- في الأربية.
- ضامرة أو غائبة.
يتضمّن تشخيص الخصية الخفية إجراء مزيدٍ من الفحوصات الطبية، خصوصًا عندما تكون الخصية غير محسوسة، ومن ذلك:
- الموجات فوق الصوتية: قد تُساعد في الكشف عن موضِع الخصية.
- الرنين المغناطيسي: يستخدم الطبيب صبغة خاصّة خلال الاختبار لمعرفة ما إذا كانت الخصية داخل البطن أو الأربية.
- تنظير البطن: قد يحتاج الطبيب إلى استكشاف البطن بالمنظار عبر فتحة دقيقة لتحديد موضع الخصية، وربّما يتمكّن من علاج الخصية الخفية خلال ذات الإجراء أو يحتاج إلى عمليّة منفصلة لذلك.
- الجراحة المفتوحة: يلجأ الطبيب في حالاتٍ نادرة إلى استكشاف البطن أو الأربية جراحيًّا عند تعذُّر العثور على الخصية بالمنظار.
إنْ كانت الخصية خفيّة في كِلا الجانبين، وتعذُّر الإحساس بهما؛ يُفضّل إجراء فحوصاتٍ إضافية، كاختبارات الدم لقياس مستوى بعض الهرمونات، والاختبارات الوراثية اللازمة للتحقُّق من جنس المولود، وجديرٌ بالذكر أن تشخيص الخصية المعلقة باكرًا يُساعد في تحقيق نتائجٍ علاجيّةٍ أفضل، وتجنُّب المضاعفات واردة الحدوث إن تأخّر نزول الخصية إلى كيس الصفن.
علاج الخصية المعلقة
نصف حالات الخصية الخفية تشفى دون حاجةٍ إلى علاج، وذلك في غضون 3-6 أشهر، وتُعد الاستشارة الطبية أمرًا لازمًا مع تأخر نزول الخصية عن 6 أشهر، إذ يهدف العلاج إلى تحريك الخصية – أيًّا ما كان موضعها – لمكانها الطبيعي داخل كيس الصفن، وغالبًا ما يعتمد علاج الخصية المعلقة على الجراحة لتثبيت الخصية داخل كيس الصفن.
متى يجب عمل عملية الخصية المعلقة؟
بدايةً ينبغي التريُّث حتى مُضيّ 6 أشهر على ولادة الطفل، إذ يُتوقّع نزول الخصية إلى كيس الصفن تلقائيًّا، ففي حال لم يحدث ذلك؛ يجب إنزال الخصية جراحيًّا عندما يتراوح عمر الطفل بين 6-18 شهرًا أو قبل بلوغ سنتين من العُمر على أقصى تقدير، ويُحدِّد الطبيب متى يجب عمل عملية الخصية المعلقة بناءً على ما يلي:
- عُمر الطفل.
- حالة الطفل الصحية.
- قدرة الطفل على تحمل العملية.
يكمُن الدافع – عزيزي القارئ – في علاج الخصية المعلقة قبل بلوغ عامين في الحدِّ من المضاعفات واردة الحدوث كالعُقم وسرطان الخصية؛ إذ تزداد فرصة الإصابة بهما كُلّما ظلتْ الخصية مُعلقةً لمُدّةٍ أطول، ويرجع الوقت المناسب لعملية تثبيبت الخصية إلى تقدير الطبيب.
عملية الخصية المعلقة
تُعالج الخصية المعلقة بإجراء عملية تثبيت الخصية (Orchiopexy) التي تحظى بنسبة نجاحٍ مرتفعةٍ للغاية، تُجاوِز 98%، وتُجرى الجراحة في غضون 45 دقيقة تقريبًا، وتحت تأثير التخدير الكُلي، وتتمثّل خطواتها فيما يلي:
- إحداث فتحة دقيقة في منطقة الأربية للوصول إلى الخصية.
- يحتاج الطبيب إلى فتحة دقيقة أُخرى في كيس الصفن لتثبيت الخصية في موضعها الصحيح.
- بعد الانتهاء؛ يُغلق الطبيب الفتحات الجراحية، ويُمكن للطفل أن يعود إلى منزله في ذات اليوم.
تُجرى عملية تثبيت الخصية إذا كانت محسوسة، أمّا إذا لم تكن محسوسة؛ فإنّ علاج الخصية المعلقة يعتمد على نتيجة تنظير البطن في تحديد موضع الخصية ومن ثَمّ يختار الطبيب الآلية الجراحية الأنسب لتحريكها إلى كيس الصفن، أو قد يكشف تنظير البطن عن ضمور أو تلف أنسجة الخصية، وعندئذٍ تهدف الجراحة إلى إزالة تِلك الأنسجة فحسب.
هل يمكن نزول الخصية المعلقة بدون جراحة؟
بالفعل قد تنتقل الخصية إلى كيس الصفن تلقائيًّا خلال 3-6 أشهر من الولادة، دون حاجةٍ إلى جراحة، ولكن نزول الخصية بدون جراحة بعد مُضى 6 أشهر أمرٌ غير متوقّع الحدوث، وعندئذٍ تُعد الجراحة الخيار الأفضل للحفاظ على القدرة الإنجابية والوقاية من المضاعفات المحتملة.
العلاج الهرموني
قد يُساعد منح الطفل جرعات من موجهة الغدد التناسلية المشيمائية البشرية (hCG) في علاج عدم نزول الخصية، ولكنّ العلاج الهرموني أقل فاعلية من جراحة تثبيت الخصية، وربمّا ينجم عنه بعض المضاعفات مثل البلوغ المبكر، كما أنّ نسبة نجاح العلاج الدوائي تتراوح بين 5-50% فحسب، وقد أوصتْ البروتوكولات العلاجيّة الصادرة مؤخّرًا بالإقلاع عن العلاج الهرموني للخصية المعلقة إلّا في حالاتٍ خاصة مثل متلازمة برادر ويلي (Prader-Willi syndrome).
الخصية المعلقة والانجاب
تحتاج الخصية إلى بيئةٍ خاصّة كي تنشط بكفاءةٍ في إنتاج الحيوانات المنوية وإفراز هرمون التستوستيرون، إذ يمتاز كيس الصفن بانخفاض درجة حرارة الخصية داخله عن درجة حرارة الجسم، بما يتلاءم مع طبيعة الخصية، في حين أنّ درجة الحرارة المرتفعة التي تتعرّض لها الخصية المعلقة تؤثِّر في جودة الحيوانات المنوية مُقلِّلةً فُرَص الإنجاب.
وفي إطار ذلك أسفرتْ دراسةٌ عام 2015 حول الخصية المعلقة والانجاب عن ارتباط 10% من حالات العقم بتاريخٍ مرضيٍّ يتضمن عدم نزول الخصية سواءٌ أكانت خصية واحدة أو كِلتا الخصيتين، كما أنّ عدم نزول الخصية في الناحيتين يؤدي في نهاية المطاف إلى انعدام الحيوانات المنوية لدى 90% من المرضى، ما يُبرهِن على العلاقة الوثيقة بين الخصية المعلقة والانجاب.
وعمومًا؛ تصِل مُعدّلات الإنجاب في إلى الثلثين إنْ كانتْ الخصية معلقة في جانبٍ واحد، في حين يحتفظ أقل من ثلث المرضى بقدرتهم على الإنجاب مع عدم نزول الخصية على الجانبين، وتُعد العوامل الآتية أوجه الاقتران بين الخصية المعلقة والانجاب:
- انخفاض عدد الحيوانات المنوية أو انعدامها.
- زيادة نسبة تشوهات الحيوانات المنوية.
- ضعف جودة الحيوانات المنوية.
- نقص هرمون التستوستيرون.
- سرطان الخصية.
- ضمور الخصية.
علاج الخصية المعلقة في عيادات د. محمد وائل
يتميّز د. محمد وائل رجب – استشاري الذكورة والجراحات الميكروسكوبية – بخبرةٍ واسعةٍ في علاج الخصية المعلقة اعتمادًا على أفضل التقنيات الجراحيّة، ما يكفُل للمريض أفضل النتائج العلاجية، كما يحظى د. محمد وائل بنجاحٍ كبيرٍ في التعامل مع مختلف حالات العقم الناتج عن عدم نزول الخصية، وصولًا إلى انعدام الحيوانات المنوية الذي يُمكن التغلب عليه بتقنية التفتيش الميكروسكوبي للخصية (Micro-TESE) بنسبة نجاحٍ كبيرة. تواصل معنا الآن لحجز استشارة طبية ومعرفة المزيد من التفاصيل حول علاج الخصية المعلقة في عيادات د. محمد وائل رجب.